يُعدّ علاج المخططات Schema Therapy نهج علاج نفسي متطور يهدف إلى معالجة أنماط التفكير العفوية وغير التكيفية التي تُشكّل أساس وسبب العديد من الصعوبات النفسية والعاطفية والعلاقات لدى الأفراد.
تطورت هذه الطريقة منذ الثمانينيات وحتى التسعينيات على يد عالم النفس جيفري يونغ، الذي لاحظ أن التجارب والاحتياجات غير المُلباة في الطفولة تترك بصمات دائمة على طريقة تفكيرنا وسلوكنا فيما بعد. إذ تؤثر هذه المخططات – التي قد تتبلور نتيجة الإهمال أو الإفراط في التدليل أو ضعف الحدود الأسرية – سلبًا على قدرتنا على التعامل مع تحديات الحياة وبناء علاقات صحية.
ولذا فإننا في هذا المقال سنشرح بدقة ووضوح كل ما تريد معرفته عن علاج المخططات Schema Therapy
ما هو علاج المخططات Schema Therapy ؟
يسعى علاج المخططات إلى تمكين الشخص من التعرف على أنماط تفكيره وسلوكياته المعطّلة والسلبية، وفهم الأسباب الجذرية التي أدّت إلى نشوءها منذ الصغر. ومن ثمَّ بمعالجة هذه الأنماط، يتمكن العميل من تغييرها تدريجيًا واستبدالها بأفكار وسلوكيات أكثر تكيفًا تُساعده على مواجهة تحديات الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية بشكل فعّال وصحي.
ففي العملية العلاجية يتم التركيز على بناء علاقة وثيقة تقوم على الثقة والتعاطف بين المعالج والعميل، مما يخلق بيئة آمنة تسمح للمريض باستكشاف ذاته دون خوف من الحكم أو الإدانة.
استخدامات وتطبيقات علاج المخططات Schema Therapy
كان الاستخدام الأصلي لعلاج المخططات Schema Therapy يستهدف علاج اضطرابات الشخصية، وخاصة اضطراب الشخصية الحدية، إذ أشارت الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يتلقون علاج المخططات يظهرون تحسنًا ملحوظًا في أعراضهم مقارنةً بمن يعتمدون على أساليب علاجية تقليدية.
لكن ومع الوقت، توسّع نطاق تطبيق هذا العلاج ليشمل اضطرابات الأكل والقلق والاكتئاب وغيرها من الاضطرابات النفسية التي لا تستجيب دائمًا للعلاجات التقليدية. وعلى الرغم من أن معظم الأبحاث القائمة تركز على البالغين، فإن الباحثين بدأوا في دراسة إمكانية تطبيق العلاج مع الأطفال والمراهقين.
وفي دراسة أخرى نُشرت في نفس العام، حيث تم تطبيق علاج المخططات على أشخاص يعانون من اضطرابات شخصية مع تاريخ في ارتكاب جرائم عنيفة، وجد الباحثون أن المجموعة التي تلقت علاج المخططات أظهرت تحسنًا أكبر في معدلات التأهيل وانخفاضًا في أعراض اضطرابات الشخصية مقارنةً بالمجموعة التي تلقت العلاج القياسي.
كيف يعمل علاج المخططات Schema Therapy
يعتمد علاج المخططات على مفهوم “إعادة التنشئة المحدودة”
حيث يسعى المعالج إلى ملء بعض الفراغات العاطفية التي تركتها علاقات الطفولة غير المثالية، إذ يعمل المعالج على مواجهة المخططات بأسلوب متعاطف وحازم، يساعد العميل على استكشاف الأفكار السلبية وتحديها – مثل الإحساس الدائم بعدم القيمة أو الشعور بالهزيمة – واستبدالها برؤية أكثر إيجابية وتمكّنًا.
بالإضافة إلى ذلك، يتم استخدام تمارين عملية مثل تمثيل الأدوار والواجبات المنزلية في علاج المخططات Schema Therapy، مما يساعده على تتبع تقدمه وتحديد المواقف التي تحتاج إلى استراتيجيات تكيفية جديدة.
ما هي المخططات وأنواعها ؟
قد تكون المخططات عبارة عن أنماط فكرية غير متوازنة أو غير واقعية، فيُكتسب منها الفرد تصوّرًا مشوهًا عن ذاته أو عن من حوله؛ على سبيل المثال، قد يتعلّم الطفل أنه يجب أن يكون مثاليًا دائمًا، أو يُعتقَد بأن الثقة بالآخرين أمر مستحيل.
وهذه الأنماط الفكرية قد تُسهم في ظهور أعراض القلق وغيرها من الاضطرابات النفسية. وفيما يلي قائمة بالمخططات (Schemas) مع تعريف لكل منها:
الحرمان العاطفي (Emotional Deprivation)
الاعتقاد والتوقع بأن احتياجاتك الأساسية لم تُلبَّى أبدًا، والشعور بعدم وجود من يرعاك أو يدعمك أو يفهمك عاطفيًا.
التخلي (Abandonment)
الإيمان والتوقع بأن الآخرين سيتركونك، وأنه لا يمكن الاعتماد عليهم، وأن العلاقات هشة والفقد حتمي، مما يؤدي إلى الشعور بالوحدة في نهاية المطاف.
الشك / الإساءة (Mistrust/Abuse)
الاعتقاد بأن الآخرين يميلون إلى الإساءة أو التحكم أو أنانيون أو يبحثون عن الإيذاء أو الاستغلال، وأنه لا يمكن الوثوق بهم.
العجز أو النقص (Defectiveness)
الاعتقاد بأن هناك خلل ما بك، أو غير جدير بالحب، مما يجعل من الصعب قبولك من قبل الآخرين وغالبًا ما يؤدي إلى الشعور بالرفض.
العزلة الاجتماعية (Social Isolation)
الشعور الدائم بالوحدة والانفصال، مع الإحساس الغامر بالاغتراب عن الآخرين.
الضعف (Vulnerability)
الاعتقاد بأن العالم مكان خطير وأن الكوارث يمكن أن تحدث في أي لحظة، مما يجعلك تشعر بأنك غير قادر على مواجهة التحديات المقبلة.
الاعتمادية / عدم الكفاءة (Dependence/Incompetence)
الإيمان بأنك غير قادر على اتخاذ قراراتك بنفسك وأن حكمك مشكوك فيه، مما يجعلك تحتاج دائمًا إلى الاعتماد على الآخرين لإنجاز مهام الحياة اليومية.
التداخل / ضعف تكوين الذات (Enmeshment/Undeveloped Self)
الشعور بعدم امتلاك هوية مستقلة، بحيث تكون جزءًا لا يتجزأ من شخص أو أكثر من الأشخاص المهمين في حياتك.
الإخفاق (Failure)
التوقع بأنك ستفشل أو الاعتقاد بأنك غير قادر على تحقيق الأداء المطلوب مقارنة بالآخرين.
الخضوع (Subjugation)
الاعتقاد بأن عليك الخضوع لسيطرة الآخرين خوفًا من العقاب أو الرفض، مما يجعلك تضحي بذاتك في سبيل تلبية رغباتهم.
الكبت العاطفي (Emotional Inhibition)
الاعتقاد بأن عليك كتمان تعبيرك العاطفي خوفًا من الرفض أو النقد، مما يؤدي إلى كبت مشاعرك.
السلبية / التشاؤم (Negativity/Pessimism)
الاعتقاد السائد بأن الجوانب السلبية في الحياة تفوق الإيجابية، مع توقعات مستقبلية سلبية.
الاستحقاق / العظمة (Entitlement/Grandiosity)
الشعور بأنك مميز أو أهم من الآخرين، وأنك لست ملزمًا باتباع القواعد المعتادة، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين، وقد يظهر ذلك في التركيز المفرط على التفوق والسلطة.
وفي النهاية
يمثل علاج المخططات نهجًا شاملًا يساعد الفرد على كسر القيود التي فرضتها عليه تجاربه الطفولية غير المثالية، مما يمكّنه من إعادة صياغة نفسه وبناء علاقات صحية ومثمرة. وبفضل طبيعة العلاج المتكاملة التي تجمع بين العناصر المعرفية والعاطفية والسلوكية، يوفر هذا العلاج أداة قوية لتحقيق النمو الشخصي والتغلب على العديد من التحديات النفسية المستعصية.
المصادر